ابن تومرت: من فقيه مغمور إلى مؤسس أعظم إمبراطورية مغربية
شخصيات تاريخية

ابن تومرت
من فقيه مغمور إلى مؤسس أعظم إمبراطورية مغربية

القصة السياسية للمهدي الذي أسقط دولة المرابطين ومهّد لقيام الموحدين

الميلاد: نحو 471هـ / 1077م — إيجليز، بلاد سوس الهجرة إلى تينمل وإعلان المهدية: 518هـ / 1124م الوفاة: 13 رمضان 524هـ / 1130م

في مطلع القرن السادس الهجري، عاد رجل نحيل من رحلة طويلة نحو المشرق، حاملاً معه فكرة ستهزّ عرش المرابطين وتعيد رسم خريطة المغرب الإسلامي بأكمله. لم يكن يملك جيشاً ولا مالاً ولا نسباً يُعتدّ به عند كثيرين، لكنه كان يملك شيئاً أخطر: عقيدة صلبة، وإرادة لا تلين، وقدرة نادرة على تحويل قرية جبلية معزولة إلى مركز ثقل سياسي غيّر مسار التاريخ.

الفصل الأول

من سوس إلى بغداد ومكة

وُلد محمد بن تومرت لأسرة أمازيغية من قبيلة هَرْغَة، أحد بطون قبائل مصمودة الكبرى، في قرية جبلية بمنطقة سوس جنوب المغرب. اختلف المؤرخون في نسبه الدقيق وحتى في سنة ميلاده، لكنهم اتفقوا على أن الفتى الفقير غادر بلاده في شبابه طلباً للعلم، فجاب حواضر المشرق الإسلامي الكبرى: الإسكندرية وبغداد ومكة، حيث لازم حلقات كبار الفقهاء والمتكلمين.

تشرّب هناك مزيجاً فكرياً فريداً: الأشعرية في العقيدة، والحرفية الظاهرية على طريقة ابن حزم في التعامل مع النصوص، وأجواء الإصلاح الديني التي أشاعها الغزالي في تلك الحقبة. من هذا المزيج صاغ ابن تومرت مذهبه الخاص الذي أسماه "مذهب التوحيد"، وهو مذهب سيتحول من نظرية كلامية إلى برنامج سياسي كامل خلال سنوات قليلة فقط.

الفصل الثاني

العودة الثائر

عاد ابن تومرت إلى المغرب ليجد دولة المرابطين في أوج قوتها الظاهرية، لكنها في نظره تعيش انحرافاً دينياً وأخلاقياً عميقاً: فقهاء اكتفوا بظواهر الفروع دون التعمق في أصول العقيدة، ومظاهر في البلاط رآها منكرة صريحة.

لم يكتفِ بالانتقاد من بعيد؛ فراح يتنقل بين مدن المغرب يحطّم أواني الخمر بيده، ويوقف مواكب الأعيان في الطرقات لينكر عليهم ما يراه مخالفاً للشرع، حتى وصلت جرأته إلى مواجهة مباشرة مع أخت أمير المرابطين علي بن يوسف نفسه في قلب مراكش. كلّفه هذا التحدي المفتوح غضب البلاط وملاحقته، فانسحب نحو معاقل قبيلته في الأطلس.

الفصل الثالث

مهدي الأطلس

سنة 518هـ/1124م، استقر ابن تومرت في قرية تينمل الحصينة بالأطلس الكبير، في خطوة شبّهها أتباعه لاحقاً بهجرة النبي ﷺ إلى يثرب. هناك، بين قبائل مصمودة التي احتضنته، أعلن أنه "المهدي المنتظر" المعصوم من الخطأ، فتحوّل من داعية إصلاحي إلى زعيم ديني وسياسي يملك شرعية تفوق كل سلطة قبلية قائمة.

كان إعلان المهدية لحظة فاصلة: فقد منح ابن تومرت غطاءً عقدياً لتحدي المرابطين مباشرة، وأتاح له تنظيم أتباعه في هيكل هرمي صارم لم تعرفه القبائل الأمازيغية من قبل.
الفصل الرابع

دولة داخل الجبل

بنى ابن تومرت في تينمل مؤسسات سياسية استعار تسمياتها من السيرة النبوية: "مجلس العشرة" ضمّ أقرب صحبه وأشدهم إخلاصاً، وبرز فيهم عبد المؤمن بن علي الذي سيغدو لاحقاً خليفة الدولة. تلاه "مجلس الخمسين"، وهو هيئة استشارية ضمّت زعماء خمسين قبيلة موالية. ثم "جماعة الطلبة"، الذين تولوا التعليم والدعوة، وشكّلوا لاحقاً نواة الإدارة والجيش في الدولة الموحدية.

لم يخلُ هذا التنظيم الصارم من العنف: ففي سنة 519هـ، أجرى ابن تومرت عملية تطهير داخلي قاسية طالت كل من شكّ في إخلاصهم لدعواه. وفي 516هـ/1122م اندلعت أولى المواجهات المسلحة مع جيش المرابطين، الذي حاول اقتحام أغمات فأخفق.

الفصل الخامس

المواجهة الكبرى: معركة البحيرة

مع تزايد قوة الموحدين، اتسعت طموحاتهم إلى استهداف مراكش نفسها، عاصمة المرابطين. لكن المعركة الحاسمة قرب بستان "البحيرة" سنة 524هـ/1130م انتهت بكارثة عسكرية: سقط عدد كبير من قادة مجلس العشرة وكبار صحب ابن تومرت في المعركة، وتراجعت قوات الموحدين نحو الجبل في حالة يرثى لها. بدت الحركة، بعد سنوات من البناء الصبور، على وشك الانهيار الكامل.

الفصل السادس

الرحيل الغامض وميلاد الإمبراطورية

لم يمهل القدر ابن تومرت طويلاً بعد هذه النكسة؛ فقد توفي في العام نفسه، يوم 13 رمضان 524هـ الموافق 1130م، وهو لا يزال يحلم بدولة لم يرَ قيامها الفعلي.

اختار أقرب أصحابه، عبد المؤمن بن علي، كتمان خبر وفاته لسنوات، خشية أن ينهار كل ما بُني في تينمل إذا عَلِم الأتباع أن "المهدي المعصوم" قد مات كأي بشر. استغل تلك المدة ليحكم قبضته على قيادة الحركة، قبل أن يعلن الخبر ويتولى الزعامة رسمياً.

ومن رحم هذا التنظيم الذي أرساه ابن تومرت في عزلة الأطلس، قاد عبد المؤمن حملات عسكرية متصلة قضت خلال عقدين تقريباً على دولة المرابطين بأكملها، وامتدت بعدها لتشمل الأندلس، فتأسست بذلك دولة الموحدين (1147-1269م)، أكبر إمبراطورية عرفها المغرب الإسلامي في تاريخه.

لم يكن ابن تومرت خليفة ولا قائد جيوش، بل فقيهاً جبلياً حوّل فكرة دينية إلى مشروع دولة متكامل، ووضع من دون أن يدري الأساس الذي سيُبنى عليه أعظم كيان سياسي عرفه الغرب الإسلامي. تلك هي مفارقة تاريخه: رجل مات مهزوماً على أرض المعركة، لكن مشروعه السياسي هو الذي انتصر في النهاية.

شخصيات تاريخية
تعليقات